مصطفى صادق الرافعي

25

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

فإن آياته كالزلازل الروحية ، ثم ليكون ذلك أشدّ على العرب وأبلغ الحجة عليهم وأظهر لوجه إعجازه وأدعى لأن يجري أمره في مناقلاتهم ويثبت في ألسنتهم ويتسلسل به القول . ولولا نزوله متفرقا : آية واحدة إلى آيات قليلة ، ما أفحمهم الدليل في تحدّيهم بأقصر سورة منه . إذ لو أنزل جملة واحدة كما سألوا لكان لهم في ذلك وجه من العذر يلبس الحق بالباطل ، وينفّس عليهم أمر الإعجاز . ويهون في أنفسهم من الجملة بعض ما لا يهون من التفصيل ، لأنهم قوم لا يقرءون ولا يتدارسون ، ولكن الآية أو الآيات القصيرة تنزل في زمن يعرفون مقداره بما ينزل في عقبها ثم هم يعجزون عن مثلها في مثل هذا الزمن بعينه ، وفيما يربو عليه ويضعف ، وعلى انفساح المدة وتراخي الأيام بعد ذلك إلى نفس من الدهر طويل - أمر هو يشبه في مذهب الإعجاز أن يكون دليل التاريخ عليه وأنه ليس في طبعهم البتة لا قوة ولا حيلة ، فإن العجز عن صنع المادة لا يثبت في التاريخ إلا إذا ثبتت مدة صنعها على وجه التعيين بأي قرينة من القرائن التاريخية . وبخاصة إذا اعتبرت أن أكثر ما أنزل في ابتداء الوحي واستمر بعد ذلك من لدن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأتي حراء « 1 » فيتحنث فيه الليالي ، إلى أن هاجر من مكة - إنما هو من قصار السور ، على نسق يترقى إلى الطول في بعض جهاته . وذلك ولا ريب مما تتهيأ فيه المعارضة بادئ الرأي إذا كانت ممكنة ، لأنه مفصّل آيات ، ثم لقرب غايته ممن ينشط إلى معارضته والأخذ في طريقته ، دون ما يكون ممتدّ النسق بعيد الغاية ، فتصدف النفس عن جملته الطويلة ، ويخلف نشاطها فيه لأن للقوة النفسية حدّا إذا حملت على ما وراءه كان من طبعها أن تنتهي إلى ما دونه ، وهذا أمر يعرفه من يرى شاعرا يعد أبيات القصيدة الرائعة قبل أن يقرأها ، أو كاتبا ينظر في أعقاب الرسالة الجيدة ولما يأخذ في أوائلها . وهلمّ مما يجري هذا المجرى . وقد كان ابتداء الوحي في سنة 611 للميلاد بمكة ، ثم هاجر منها النبي صلّى اللّه عليه وسلم في سنة 622 إلى المدينة ، فنزل القرآن مكيا ومدنيّا . وقد اختلفت الروايات في آخر آية نزلت وتاريخ نزولها ، وفي بعضها أن ذلك كان قبل موته عليه السلام بأحد وثمانين يوما ، في سنة إحدى عشرة للهجرة ، وأي ذي كان فإن مدة نزول القرآن توفي على العشرين سنة . وإنما هي الحكمة التي أومأنا إليها في مذهب إعجازه ، وحكمة أخرى معها : وهي استدراج العرب وتصريف أنفسهم بأوامره ونواهيه على حسب النوازل وكفاء

--> ( 1 ) هو جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال منها ؛ وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن يأتيه الوحي يتعبد في غار من هذا الجبل ، وفيه ابتدأ الوحي إليه .